الأربعاء، 25 يناير 2017

خربة الزيتون في كفرمالك .. مستودع أسرار من العصر الصليبي







خربة الزيتون في كفرمالك

مستودع أسرار من العصر الصليبي

اسم خربة يطلق في الغالب على مكان أثري درست معالمه أو خربت ، وبقي فيها شواهد من الآثار على عمران سابق ، وفي كفرمالك عدة مناطق تعرف باسم خربة مثل : خربة البيار ، وخربة خلة سوار ، وأشهرها خربة الزيتون غرب القرية .

في خربة الزيتون أكبر أشجار الزيتون عمرا ، وهناك شجرة زيتون قطرها حوالي ثلاثة أمتار شاهدة على تاريخ هذه المنطقة ، فهذا يعني أن عمرها تجاوز الألف عام .

تقول كتب التاريخ أن كفرمالك وقعت تحت الاحتلال الصليبي إبان الحملة الصليبية الأولى التي بدأت عام 1096 مـ ، وكان قائدها جودفري دي بوبون الرابع ، وسقطت القدس بيد الصليبين عام 1099 م ،  وقامت فيها مملكة القدس اللاتينية ، وركز الصليبيون على احتلال مدن الموانئ على شاطئ المتوسط ، وسعوا للسيطرة على أماكن تواجد المياه في المناطق الداخلية ، وأقاموا فيها مستوطنات منها مستوطنة البيرة وعين سينيا وبيتونيا وعين قينيا وكفرمالك في منطقة رام الله  .

عرف عن الصليبين أن فرسانهم كانوا يتمركزون في قلاع ، وقريبا من كفرمالك في قرية الطيبة التي سموها ( إفرون ) أقاموا قلعة ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم تدعى البوبرية ، أخذت اسمها من من القائد بوفري حيث أهديت له من قبل ملك مملكة القدس ( بلدوين الرابع ) . ومن أشهر أماكن تواجدهم في المنطقة قرية سنجل التي أقام فيها الدوق ريمون دي سان جيل ( 1105 _ 1141 م )  دوق إقليم تولوز في فرنسا قلعة وسميت القرية على اسمه فيما بعد  .

ذُكرت كفرمالك في الوثائق الصليبية  ففي شهر أيار من عام 1128 م  عقد اجتماع برئاسة  ملك بيت المقدس بلدوين الثاني ، وحضره حشد كبير من الأمراء ورجال الدين في المملكة الصليبية ، كان من أهم قراراته منح قرية كفر مالك الواقعة في حدود إقطاعية نابلس مع الأراضي والضياع المحيطة بها لكنيسة القيامة المقدسة ولرئيسها وليم ولرجال الدين الآخرين بها الذين يعملون في خدمة المسيح (عليه السلام) في الحاضر والمستقبل ، على أن تكون قرية كفرمالك حقا مستمرا لكنيسة القيامة ، دون أن يكون هناك أي اعتراض من قبل الورثة أو من أي إنسان آخر .

في هذه المنحة جرى تهجير أهالي قرية كفر مالك وترحيلهم إلى قرية بيت فوريك الواقعة شرقي مدينة نابلس وعلى بعد نحو ستة كيلومترات منها، ويبدو أن الفرنجة الصليبيين حاولوا تفريغ البلاد مـن أصحابهـا للسيطـرة علـى الأراضـي الزراعية الخصبـة.

عثر اهالي كفرمالك بالصدفة أو من خلال البحث المقص  فيها على  آبار ومغر ومعاصي قديمة ، وجدوا داخل هذه المغر في ردمها صلبان نحاسية ، ، كما أن هناك بعض المغر رسم على حيطانها المشيدة صلبان كبيرة وشعارات صليبية ، كما عثر بعض النباشين على أسلحة ومعدات حربية تعود للعصر الصليبي قدروا أنها تعود للعصر الصليبي ، وكثيرا ما تكشف الانهيارات الطبيعية عن آبار ومغر تحت أرض هذه الخربة . وأرض هذه الخربة ذات صخور طرية يسهل الحفر فيها .

شمال غرب هذه الخربة منطقة مشرفة تدعى بير المالح ، والبئر وما حوله أرض وقف ، بئر المالح بئر معين لا ينفذ ماؤها طوال العام ، وبجوار هذا البئر من جهة الشمال منطار حجري  من العصر الحديث ، ولكن تحته يوجد في الصخر حفر وقص هندسي أغلب الظن أنه كان مرصدا عسكريا يراقب ويشرف على مساحة واسعة أسفل منه ، وبجواره بئر ماء ، وأرضية من الفسيفساء .

إن موقع خربة الزيتون المتوسط بين قلعة البوبرية في الطيبة وقلعة سنجل ، ومكانتها المشرفة على ما دونها من الأراضي ، ووجود مرصد عسكري على طرفها الشمالي ، ووجود مغر ومعاصي أي مخابئ سرية فيها ، والعثور على شعارات ومعدات صليبية فيها يثير أسئلة كبيرة حول دور هذه الخربة ومكانتها في العصر الصليبي ، فهل كانت مستوطنة سكنها الصليبيون قبل طرد أهالي كفرمالك منها ، وحلوا محلهم ؟ أم كانت ملجأ احتياطيا يستخدم في اللحظات الحرجة ؟

لقد قام بعض أهالي كفرمالك ممن امتهنوا حرفة البحث عن الآثار والكنوز القديمة بحفريات عشوائية كثيرة في منطقة خربة الزيتون ، هذه الحفريات وإن كشفت عن بعض أسرار هذه المنطقة إلا أنها لم تؤدي خدمة توثيقة تاريخية لدارسي علم الآثار ، وإن تشكيل فريق متخصص من الأثرين والدارسين والقيام بحفريات على أسس علمية كفيل بأن يزود البحث التاريخي بمعلومات ودلائل بالغة الأهمية للتعرف على طبيعة الاستيطان الصليبي في فلسطين خلال الحروب الصليبية .

الاثنين، 29 أغسطس 2016


الكابتن فورد والبغل


يُذكر أسم الكابتن فورد في مرويات أهالي كفرمالك في الأربعينيات ،  وهو كما وصفه من عاصره شاب انجليزي أشقر طويل القامة ، غالبا ما كان يقود قوة من الفرسان من خمس جنود تداهم كفرمالك بشكل متكرر، و تنكل بالأهالي وتذل الناس .

روى لي عايش محمود ( أبو نادية) كواليد عام 1932 أنه كان ولدا يوم جاء فورد إلى بيادر عين سامية ، فهرب الرجال في الوديان والشعاب ، ولأنه ولد بقي ولم يهرب ، وتمكن الفرسان الانجليز من القبض على المرحوم يوسف أبو يامين ـ ورأيتهم بعيني يضربون يوسف بكرباج طويل ، دون ذنب إلا  رغبتهم في فش الخلق بالناس وإذلالهم ، وإرهاب الناس .

وذات يوم ذهب الكابتن فورد على رأس دورية لراس التين في البرية ، وأكرمه الرعيان في البرية وذبحوا له خاروفا ، أزربوه وقدموه للضيف خوفا وطمعا ،  وأكل وشبع ، وصار الرعيان من باب المداهنة يقطعون له شيئا من اللحم، ويقسمون عليه أن يأكل ويزيد :

" .. هذه من شان تاج ملكة بريطانيا .. وهذه من شان راس المندوب السامي .. وهذه من شان راس القائم مقام ..وهذه من شان فلان وفلان .. "  حتى أتخم الكابتن وشعر ببطنه يكاد ينفجر ، وراح يتلوى مثل الأفعى التي بلعت قردا ، وتحامل على جسده المتخم و ركب بغله وعاد إلى البلد عن طريق عين سامية ، لما وصل للعين ورد ماءها ليسقي بغله ، شرب البغل كفايته من العين ، ورفع رأسه وشحج منتشيا ،  هنا صار الكابتن يقول له .. من شان الملكة اشرب وزيد .. من شان فلان وفلان كما فعل معه الرعيان ـ ولكن البغل اكتفى بما شربه  في المرة الأولى . هنا قال الكابتن وهو يتحسس بطنه المنتفخ :

".. والله أنا البغل مش إنت .. !! 

وعلى هامش القصة ذكر أبو نادية أن أخطر الفرارية الذين كان يطاردهم الكابت فرد رجل من قرية أبو فلاح المجاورة يدعى سعيد الجردي ، وكان سعيد قناصا ماهرا ، وعندما يسمع الكابتن فورد أن سعيد في كفرمالك يتجنب الصعود إلى المضافات خوفا أن يقنصه سعيد المتربص قريبا من المكان ، ولكن الصراع بين الكابتن فورد والفراري سعيد انتهى بأن عرض عليه الكابتن فورد أن يعفو عنه ، ويجنده في الحرس الإضافي البريطاني ، وهكذا كان ، فتحول الفراري سعيد الجردي إلى حارس عند الكابتن فورد .

قصة مثل من كفرمالك

" في اشي في الصريمة "

ينسب هذا المثل لابن كفرمالك عايش محمود ( أبو نادية ) المغترب في البرازيل ، مواليد عام 1932 ، والصريمة عند أهالي كفرمالك هي أول ثلاث أربع حمالات زرع تصف على أرضية البيدر وترتب غمور الزرع فوقها ، ويقصد به أن هناك شيء مخفي ومستور هو أساس المشكلة ، مثل قولنا : " اللي بعرف بعرف واللي ما بعرف بقول كف عدس " .

حدثني السيد أبو نادية :

" .. كان ذلك في البيادر أيام حكم الانجليز حوالي سنة 45 أو 1946، كنت ولد قاعد أحرس البيدر عند دار أبو سيف اليوم جنب الطريق ، اجا خالي أبو خضر مستعجل ، ولف البارودة  بخلقة عباية ودسها في صريمة البيدر ، يظهر اجا يخبيها لأنه سمع إنو فيه فرسان الانجليز في البلد ، وهم دايما يقتشوا داره لانه عندهم علم إنه أبو خضر عنده بارودة ، حط البارودة في الصريمة عندنا وراح ، لأن الانجليز مش رايحين يفتشو بيدرنا لأنهم بعرفوا فش اشي عندنا احنا يا دار عايش ، وخاف يفتشوا دارهم لانو دايما عنده بارودة .

وكان على البيادر بنات بقششن ، وصرت أسحب عيدان القش من جوى البيدر من عند البارودة  ، وفجأة طل الكابتن فورد من فوق مع خمس أو ست فرسان نازل على البلد ، هان أبو خضر خاف على البارودة تبين والبنات يسحبن القش من الصريمة ، صار يصيح علي :

" هي يا عايش .. ولك شو هاذا يا عايش .. "

أنا رديت عليه بصوت عالي :

" عارف .. عارف شو في الصريمة يا ابو خضر .. " .

وقتها كان فرسان الانجليز وصلوا لدار أبو يمين عند مغسلة السيارات اليوم ، قام فورد رد راس فرسه ورجع ، لما سمعوني بقول في هان اشي ، هان أبو خضر اجا زي البرق وسحل وأخذها ، ما هو خالي كان شاطر ، خطف البارودة وراح خباها في عنبات سمحة على المحورة  ، حطها تحت هالدالية ورجع ،  هان فورد سمعني بقول في اشي هان يا أبو خضر ، قال لي فورد : أنو أبو خضر؟ . قال له خالي : أنا ، ليش شو في ؟ قال فورد : أنا سمعت الولد بقول في اشي بالصريمة . قمت أنا قلت له : أنا كنت بقول للبنات في هان اشي كثير ، وفي زرع كثير بلاش يسحبن من تحت  . قال فورد : هذا الحكي بدخلش مخي . وبعرفوا انو خالي دايما في عنده شغلات عملات .

هان اجوا خمسة من الفرسان ، ومسكوا الدكارين ونفلوا الصريمة ، وصار البيدر كوم طوله عشر متر ، هلقيت شو بده ينيم البيدر ، وإذا خليناه مثل ما هو بيجي الريح وبيطرهن وما بنلقى الزرع غير عند دار أبو عثمان . هان صرت أنا من جهة على البغل والمرحوم اسماعيل من جهة على البقر ، وظلينا بالبيد تهبطناه . .. "  

الاثنين، 18 يوليو 2016

أبو علا .. والزغاليل الشهيدة


قصة من بلدي

أبو علا .. والزغاليل الشهيدة


اليوم هو يدخل في الخامسة والسبعين من عمره ، والقصة حدثت بعد تخرجه من المترك ،  في بداية الستينيات ، اليوم اسمه أبو علا ، ويوم حدثت القصة كان اسمه عبد الطيف البياع ، حدث فقال :

كنت أرعى الغنم في سهل عين سامية ، وكنت قد أنهيت المترك ، في ذلك اليوم سرحت بالغنم في أرض لدار أبو معدي في الشقفان في حبول زيد ، أيام خلع البصل ،  وبعد رعي الغنم ما تبقى من مخلفات البصل ، غربنا أنا وعبد الفتاح أبو الحاج لكي ننام مع الغنم في مغر رزق عند الطاحونة ، في الطريق وردنا على الواد وسقينا الغنم ، كان هو ماشي قدامي وأنا مع الغنم وراءه ، وبعيد عنكم ـ كنت لابس مشاية مغيط ، وكانت الدنيا مقمرة ، شعرت بلسعة في قدمي مثل وخز الشوكة ، ومشيت مسافة ، وقلت بجوز تكون حيّة ، فوقفت ، وقلت لفتاح دير بالك على الغنم ، أنا قرصتني حيّة . وفعلا كان موضع أنيابها واضح وبيّن ، الدنيا ليلتها كانت قمر من الأيام البيض ، أنا كان معي شبرية ، مثل عادة الرعيان تلك الأيام ، ولما رأيت نقطتي  الدم على رجلي ، شقيت مكان اللسعة بالشبرية ، ومصصت الدم ، وربطت على رجلي .

وفتها كان أكثر أهل البلد في عين سامية ، و فزع لي أبو فرج وأبو ناجح المشني وابو صالح عدوي  ـ الله يرحمهم ـ ، وأحضروا لي حصانا أذكر أن لونه كان أزرق كانوا يحرثون عليه ، وركب أبو ناجح على الحصان ، وأردفني خلفة ، وروحنا على البلد ، وروح معنا أبو صالح عدوي الله يرحمه ، وكان مشروع عين سامية في بدايته ، وهناك سبع ورش على الطريق تبني الجدران الاستناداية للطريق ، كان هناك ناطور يسهر على المعدات اسمه نصر الله  ـ الله يجزيه الخير ـ من الطيبة ، ولما رآنا ، أحضر بطانية وقال : لفوه فيها ، لأن القريص يبرد . وفعلا لفوني بالبطانية ، وأحضر قليلا من الحليب ، وسقوني إياه ، وقال : الحليب جيد للقريص،  وأكملنا مشوارنا نحو البلد .

ولما وصلنا البلد وعرف الناس القصة ، جاءت بعض العجائز ، وأحضرن زغاليل حمام ، قامت واحدة شقت الزغاليل وهي حيّة ، ولبستهن لرجلي ، وربطت الزغاليل على مكان الجرح ، وقلن لي : هذه الزغاليل دمها حامي تمتص سم الحية .

في صباح اليوم التالي حملني صالح أبو زاهي العبد ـ الله يرحمه ـ  على ظهره ، ووصلني إلى الباص ، ولما وصلت لمستشفى رام الله ، جاء الدكتور وكشف عن رجلي ، ولما رأى رجلي ملفوفا عليها الزغاليل ، صار يضرب على رأسه ويقول : شو هذا يا فلاح !!!

وقام وفك الزغاليل ، ورموا الزعاليل التي صار لونها أزرق على سواد عند حاوية الزبالة في ساحة المستشفى ، هجمت قطط المستشفى على الزغاليل ، والعجيب أن القطط التي أكلت من الزغاليل ، ماتت من ساعتها ، فقال الدكتور الذي تندر على جهل الفلاحين  :

ـ فعلا ، هذه حكمة عربية ، الزغاليل مصّت الدم وتسممت ، والقطط أكلن الزغاليل المسمومة وماتت . 


السبت، 16 أبريل 2016

عجائب الزغاليل في طب المهابيل

من عجائب ما سمعت عن الطب الشعبي في قريتي كفرمالك ، أن السيد عبد اللطيف يوم كان في العاشرة من عمره ( اليوم هو فوق السبعين ) لدغته أفعى في رجله أيام موسم الحصاد ، هنا جاءت إحدى النساء الدايات ، وقامت بشق زغلول حمام وهو حي ، ولفته على مكان اللدغ ، فامتص الزغلول سم الأفعى قبل أن يموت ، وصار لون الزغلول أسود مثل جلد الأفعى التي لدغته ، وشفي عبد اللطيف وعمّر وثمّر أحسن الله ختامنا وختامكم .
وقرأت في هذا الأسبوع في كتاب ( عض الأصابع ) أن جداتنا قديما كن يعالجن سخونة الأطفال بأن يلصقن مؤخرة الطفل بمؤخرة زغلول حمام ، فيقوم الزغلول بشفط حرارة الولد ويموت ، وإذا لم تنخفض الحرارة يوضع زغلول آخر بنفس الطريقة حتى تنخفض درجة حرارة الطفل ، باختصار كبسولات . 
وخلال البحث في النت عن أصل هذا العلاج وجدت أن مدعي طب مصري يعالج السرطان بالزغاليل ، وآخر يعالج التهاب الكبد الفيروسي بالزغاليل أيضا .
جاء في كتاب معجم الأدباء أن شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء ابو العلاء المعرى كان نباتياً ، ويرفض أكل اللحوم ،  وذات مرة مرض مرضاً شديدا ، فوصف له الأطباء أكل لحم الفروج ، فامتنع ، ولكنهم ألحوا عليه حتى أظهر الرضا . فلما قُدِّم إليه ، لمسه بيده ، وكان أعمى ، فجزع  وقال : " استضعفوك     فوصفوك. هلا وصفوا  شبل الأسد ؟". ثم أبى أن يأكله .