الأربعاء، 6 فبراير 2013
البُطمة.. حارسـة النبعة
البُطمة.. حارسـة النبعة
كان لكل شجرة في كفرمالك اسم تُعرف به ، فهناك خروبة المعصرة وخروبة اعْزيز ، وهناك سدرة السهل وسدرة العوينة، وهناك توتة الجامع وتوتة العين ، إلا البطمة ، فلا حاجة لإضافتها لمكان أو إنسان ، فهي شجرة البطمة المعروفة التي لا تحتاج لتعريف أو توصيف ، فهي الشجرة المحبوبة الأثيرة التي تقف بجوار النبع على بعد ثلاثين مترا للجهة الشرقية القبلية، تشرف على النبع من علٍ من بين جلاميد الصخر وكأنها حارسته الأزلية ، وهي من جنس أشجار البطم المذكورة في الإنجيل ، تلك الأشجار التي لم تضطهد تلاميذ يسوع وهم يجولون الأرض المقدسة يبشرون بدين التسامح والمسرَّة في الأرض المقدسة التي لم يحتمل أنجاسُها طهارتهم ، كذلك هي شجرة البطمة التي تفيأ أهالي كفرمالك ظلالها عبر القرون .
شجرة البطمة هذه ـ مثل بنات جنسها من شجر البطم ـ آية من آيات الله فهي شجرة وارفة الظلال نضرة، شامخة في السماء ، ورغم ذلك فهي تخرج من بين الصخور في أرض ترابها (دلّـيل) كما يسميه الفلاحون في كفرمالك ، ولكنها تضرب بجذورها بين الكتل الصخرية وتتحدى شح التراب، مثل شجر الطيُّون الذي ينبت في الخريف قبل المطر لأنه ( لا يتحمل للشتاء جمايل ) .
وكانت ملهى للأولاد الصغار يتبارون في تسلق جذعها الضخم لكي يحضروا للصبايا شيئا من ثمرها الذي يشبه الدوم بالشكل ولكنه يستخدم للعلك لا للأكل، ورحم الله تلك الأيام التي كان فيها ثمر البطمة علكة ، وكانوا ينزعون منها ( ضروس) جافة يخلطها الختيارية بتبغ الغليون ليعطيه نكهة البخور ، ويبدو أن أهالي كفرمالك لم يضموها لقائمة الأشجار المسكون لأنهم أرادوا ان يسكنوها هم لا عفاريتهم، وما داموا يأكلون منها فهم لا يريدون أن يتشبهوا بأسلافهم من مشركي العرب الذين كانوا يأكلون آلهتهم عندما يجوعون ، لكل ذلك ـ وربما لغيره ـ كانت تلك البطمة مشاعا للجميع .
وأعجب ما في هذه الشجرة علاقتها بنبع عين سامية، فكانت ترقب ماء النبع الذي ينساب زلالا سلسالا لا يتوقف، حتى أن أهالي كفرمالك عندما يضربون المثل في أرق ليل القهر الطويل، وسهاد ليل العشق الجميل، يقولون: " إذا عين سامية نامت عيني نامت هذيك الليلة "
و البطمة كانت مضافة لكبار القوم ، فإذا ما أراد أهالي كفرمالك شيئا من موظف كبير في المقاطعة أو المتصرفية من رتبة قائممقام وحاشيته، فعليهم أن يطعموا الفم لكي تستحي العين ، وإطعام الفم يعني (زرب) دسم عند العين وتحت البطمة، وحدثني شاهد عيان أن كبار الموظفين كانوا يشترطون على وجهاء البلد تحضير المطلوب، والمطلوب يعني بلغتهم المشروب، في أيام كان أكل الناس جراب من الخبز المدهون بالزيت، ثم تُلقى الكلمات في مدح كبار الموظفين ، فيكون حالهم " أكالون للسحت سمَّاعون للكذب" .
ولكل شيء أجل مكتوب، والمكتوب ليس منه مهروب، ففي عام 1954 أول قريبا منه ، وفي ليلة ليلاء ، صعد مؤذن الجامع الشيخ أبو يوسف الخطيب ـ رحمه الله ـ على سطح المسجد ينعى البطمة بصوته الجهور العذب ..
الجالسون تحت الشجرة حسب التعرف عليهم ( الثلاثة معا )
أبو سامي سعفان ، عيسى أبو ابراهيم ، عبد الجليل أبو قرطوم
كفرمالك في 16/5/2010
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق