الأربعاء، 6 فبراير 2013

زهّر اللوز في كفرمالك ..

زهّر اللوَّز في كفرمالك ..


ذات يوم وقف أبو أسعد النبالي على برندة دار نسيبه المرحوم علي أبو أحمد ، نظر الضيف إلى واد العباد فوجده مكللا ببياض زهر اللوز امتدادا من لوز أبو بدوان وحتى مشارف راس الجهير ولوز دار داود، فقال الضيف :
ـ لمن هذا اللوز يا أبو نسب . فأجابه أبو أحمد .. هذا لفلان ، وهذا لفلان ، فقال له الضيف : لا ، هذا لك لأنك تستمتع بالنظر إليه كل يوم .
نحن الآن في الثلث الأخير من شهر شباط ، ولا شيء أجمل ولا أروع من زهر اللوز الذي استفاد من أيام الدفء التي تلت المنخفض الجوي ليرفع على أغصانه أكاليل البياض ، ولن أتعب نفسي في وصف جمال زهر اللوز ، فقد عجز عن ذلك محمود درويش حين قال
لوصف زهر اللوز،
 لا موسوعة الأزهارتسعفني، ولا القاموس يسعفني
سيخطفني الكلام إلى أحابيل البلاغة
والبلاغة تجرح المعنى وتمدح جرحه،
ولن أتعب نفسي في الحديث عن رمزية زهر اللوز .. فقد كتب ذلك حسين البرغوثي في كتابه الأخير قبل موته بسرطان الدم " سأكون بين اللوز " فاللوز ليس مثل الكفن الأبيض فقط ، بل ربما مثل الجنة في الطهارة والجمال والرجاء الأخير والأمل بالانبعاث من جديد .
وقد أعود إلى كتاب إميل حبيي الأول عن سداسيات الأيام الستة ، وعن قصة عود اللوز المقطوع من طلعات قرية اللبن ليزهر في بيت لحم مثل عصا هارون عليه السلام المأخوذة من خشب شجرة اللوز، وعصا يوسف النجار التي أزهرت أيضا كعلامة للرعاية الإلهية حيث أصبح زهراللوز رمزا لطهارة ونقاءالعذراء مريم أم المسيح عليه السلام .
ما يتعب البال، وأنا أتأمل أزهار اللوز في كفرمالك هذه الأيام أن أراها فرادى قليلة متناثرة على السفوح والتلال وبين البيوت ، وقد كانت أيام الصبا غابات كثيفة من التعامير والبساتين .
قبل ثلاثين سنة كان موسم تفتح زهر اللوز في كفرماك يشبه أيام الثلج ، فالبياض يكسو البلد ويحيطها وكأنها عروس تختال بإكليلها الأبيض في شهر شباط الخباط الذي يشهد حفلات زفاف القطط وليس فيه أعراس.    
من الشرق تجد تعميرة دار مرَّة غابة من البياض ، وحولها لوز شكري ولوز دار سليم ، ومن الغرب تعميرة دار أبو عايش ، ومن الشمال تعامير دار داود ، ومن الجنوب تعامير دار المدني ودار جابر .
غابت تلك التعامير ، منها ما مات حتف أنفه مثل تعميرة دار عايش ، ومنها ما قتل قتلا مثل تعميرة دار مرّة التي غزا الزيتون لوزها ..
فهل السبب يعود لأن اللوز عمره قصير لا يعمّر آلاف السنين مثل لزيتون !!
أم لأن اللوز التركي والأمريكي الجاهز المقشر يملأ الأسواق بأسعار رخيصة!!
أم بسبب إغلاق مكسرة اللوز أو ( بابور اللوز ) في طلوزة في بداية الثمانينيات ، فلم يعد الناس يجدون وقتا لتطقيش اللوز !!
ربما لهذا لسبب أو لسبب لا نعرف ، ولكن اسمعوا هذه القصة الطريفة لعل فيها عبرة تفسر غياب تعامير اللوز وانتشار تعامير الزيتون ..  
في ليلة قمراء ، وبعد منتصف الليل مرّ صاحب تعميرة اللوز بأرضه ، فإذا بأحد الرعيان  يرعى في كرم اللوز ، غضب صاحب اللوز، وراح يقول للراعي :
" مش حرام عليك ، ترعى في لوز الناس بعد نص الليل !! "
فردّ عليه الراعي : لا ، مش حرام ، لأن القرآن يقول : والتين والزيتون ، ولم يقل معهما اللوز " .
وعودة إلى لوز محمود درويش :
لا وطن ولا منفى هي الكلمات،
بل ولع البياض بوصف زهر اللوز
لا ثلج ولا قطن فما هو في
تعاليه على الأشياء والأسماء
لو نجح المؤلف في كتابة مقطعٍ
في وصف زهر اللوز، لانحسر الضباب
عن التلال، وقال شعب كامل:هذا هوَ
هذا كلام نشيدنا الوطني!
25 شباط 2011 م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق