الثلاثاء، 26 فبراير 2013

ذكريات من أيام التين

كتبهافرج عبدالحسيب ، في 31 تموز 2012 الساعة: 23:19 م
طيارة أبو ساسر في المناطير

في كفرمالك كما في سائر قرى فلسطين، هناك فرق جوالة تنشط في موسم التين ، تدور في الحقول والبساتين تبحث عن ثمار التين منذ يكون دافورا وحتى يتشطب أو يصير ذبيلا .
أحب أن أسمي هذه الجماعات " دباعي التين " وشعار هؤلاء : تين مشطب على الندا ما حدا يحرم حدا " . فالتين في كل الأوقات وفي كل مكان عندهم مشاع ، ولا يجوز منع أحد عنه ، والتين لا يحتاج لإذن ولا عزومة ، ومرجعيتهم في ذلك أنه يجوز لعابر السبيل أن يأكل من البستان بشرط أن لا يروّح لأهله ، ويستندون إلى الحديث الشريف : الناس شركاء في ثلاثة : الكلأ والماء والنار ، فهم يفسرون الكلأ بأنه التين ، فلا إثم عليك إذا ما ميلت إلى كرم تين وغبرته عن بكرة أبيه ، ويجوز لك أن تملأ كرتونة إذا كنت صائما وتريد أن يكون إفطارك بدل التمر حبات تين مشطبة تشطب جوعك وحسناتك ، أما الماء عندهم فهو الماء الذي يأخذونه من مصلحة المياه ، فيقوم الواحد منهم بقلب الساعة أو يسبق بالخيرات بأن يمد وصلة قبل الساعة يسقي منها حديقته ويغسل بها سيارته ، وربما في بعض الأحيان يملأ تنكا ويبيعه لبعض طالبي الماء لغرسات زيتونهم . ويفسرون النار بأنها الكهرباء التي تنير على الناس ، فلا حياء إذا أضاءوا ساحات بيوتهم من كهرباء الشوارع ، ولا حرج إذا هرّبوا سلكا سريّا يمرر الكهرباء قبل أن تصل للعداد الكافر الذي لا يؤمن بمشاعية النار أو الكهرباء .
والتين مشاع ليس للأهالي فقط بل لمن جاورهم من البدو والعربان ، والبدوي مشهور بعشقه للتين ، ويقال  "أن البدوي يغامر بكرامته من أجل أن "يبل ريقه" بأكله تين، فإذا مرّ ببستان تين دخل وأكل، مهما كلفه الأمر". ولذلك قال المثل:"عرب وتين يا قلة الدين " ، وربما تعرفون قصة المثل البدوي الذي يقول : " عيني عليه وتفو عليه " ومن لا يعرفها يسأل عنها أبو العريف جوجل بن نت آل دوت كوم .  
وروى لي بعض الأهالي أن البدو الذين كانوا يقيمون في منطقة الطبيل أيان زمان ، كانوا يشدون على دوابهم ساعة الظهر الحمراء ، ويصعدون إلى منطقة الشيخ زيد لكي يتناولوا شيئا من التين ، فلا يردهم أهل التين، بل يكتفون بالدعاء عليهم : سم هاري، فإذا سمعه الضيوف الثقال قالوا : يا خية ، لا تدعي،  بس ودنا ناكل تين ونروح  . أي أن أكل التين جائز ولا يحتاج لأي إذن …
نعود لفرقة دباعي التين ، فهذه ظاهرة قديمة منذ كان التين ، لذلك اعتاد أهالي كفرمالك مثل غيرهم من أهل قرى فلسطين أن يعتكفوا في كروم التين ، يقطفون الناضج منها ويجففونه في المساطيح  ويخزنونه في خوابي خاصة في الطيارات أو المناطير قبل أن يزفوه على الحمير لخوابي البيوت ، والغني من الأهالي من لديه خابية قطين مرصوصة بأقدام الجدات المباركة ، كي لا يستوطن فيها الدود كما يستوطن اليهود في جبال فلسطين، فلو وجدوا من يربصهم لما دودت أرضنا بهم  .
ومن طرائف ما سمعت عن قصص دباعي القطين ، أنه كان في كفرمالك  تينة مضرب للمثل تسمى : باشية سلمة الحايك ، أو سلامة الحايك ، ومنطقة باشية سلامة الحايك معروفة حتى اليوم بمغارة سلامة الحايك التي تراها على رأس الجبل جنوب المشروع الفوقاني .
كانت سلمة الحايك ( وأظن أنها من النصارى الذين سكنوا في البلد أيام زمان ) تسرح باكرا قبل أن يشق الضوء سدول الليل لكي تخرط التينة الباشية ، لأنه لو شق النهار سبقتها دباعي التين ، وما تركت لها إلا القرارة ، المهم ذات يوم ذهبت في موعدها فوجدت التينة ( مقزعة )  مقطوفة ، فقالت بصوت عالي : ريتك السم الهاري يا شحادة . وعادت إلى البلد مسرعة لكي تأخذ حقها من شحادة الذي تسلل في عتمة الليل وخرط التينة الباشية ، ولكن شحادة هذا بالواقع كان مسافرا يقاتل مع الجيش العثماني في حرب اليمن ، وأهل كفرمالك لهم قصص عجيبة في حرب اليمن ، ربما يسعفنا الزمان لسردها ، وصلت سلمة الحايك فارعة دارعة تبرق وترعد إلى حارة العمود ، وهناك مع آذان الفجر دقت باب الدار بقرطلتها الفارغة ، ونادت: اطلع يا مقصوف الرقبة ، اطلع يا شحادة خرطت الباشية وجاي تنام ريتك السكرة  . هنا تدخلت أم شحادة وقالت : يا ولية ، كفى عنا شرك ، شحادة مسافر في اليمن، شو جابه للبلد تيخرط تينتك .  . فقالت سلمة : اسمعي ، يا مستورة ، ما حدا في البلد بخرط الباشية هالخرطة إلا شحادة .
وفجأة ظهر شحادة عن ظهر البيت ، وقال: سامحيني يا عمتي ، وصلت من اليمن امبارح بالليل ،  وكنت جعان ، واشتهيت التين الباشي ، ولقيت التين مشطب على الندى ، وما حدا يحرم حدا ..
سقى الله أيام دباعي التين كان الجوع يضطرهم لأكل تين الناس ، وعفا الله عن أيامنا التي نستبيح فيها الحرام بطرا ،  وسامح الله كل دباعي التين ، ففي كفرمالك يغتقد الناس أن التين من ثمار الجنة ، ومن لا يحب دخول الجنة !!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق