المسحرون في أيام زمان ..
كتبهافرج عبدالحسيب ، في 20 تموز 2012 الساعة: 23:14 م
المسحِّر في لغة أهالي كفرمالك أو المسحراتي في لغة أهل الشام أحد معالم شهر رمضان في أيام زمان ، أقدم المسحرين في قرية كفرمالك رجل اسمه أبو مسعود ، وهو من نابلس ، وكان له دكان محمد ابو إبراهيم التي يشغلها اليوم يوسف محمد صالح كمحل لبيع الخضار ، أبو مسعود هذا كان عمله الرئيس صناعة الأحذية الشعبية ، أو الشواريخ كما كان الناس يسمونها ، والشاروخة تصنع من مطاط عجال السيارات ، وتجمع معا بواسطة المسامير ، فتخيل مدى قسوتها على الرجل !! ومع صناعة الشواريخ كان أبو مسعود يصنع الكنافة ، و يتخصص في ليالي رمضان لإيقاظ الناس للسحور ، فيدق على تنكة صفيح ، ويصيح : يا نايم وحد الدايم . ويا غافل وحّد الله .. ويظل يدق أمام البيت حتى يرى النور ، وإذا لم ير النور في البيت يطرق باب الدار ، حتى يستيقظ أهلها ، فمن لا يسمع ضرب التنكة يسمع قرع الباب ، وظل أبو مسعود يمارس وظيفة المسحراتي حتى رحل من البلد إلى قرية أبو فلاح في حدود عام 1964 .
وكان يردد في توحيشات رمضان مودعا شهر الصيام مع عدد من الأولادي يردون عليه :
لا أوحش الله منك يا رمضانَ يا معدن الخيرات والإحسانَ
شهر أتانا كل سنة زائلرا والمصطفى بصيامه وصانا
شهر يفوق على الشهور بليلة ومفضل بتلاوة القرآنا
شهر الصيام قد انقضت أيامه في سرعة وكأنه ماكانا
شهر الصيام على الرحيل لقد نوى يا طول ما تتذكروا رمضانا
تبكي المساجد حرقة وتأسفا لفراق هذا الشهر يا إخوانا
أسفا على أيامه ولياليه كانت ليالي كلها غفرانا
يا هل ترى دوما نعود فنلتقي في مثل هذا الشهر يا إخوانا
الله يعطينا القبول بمنه ويتوفنا جمعا على الإيمانا
قوموا وصلوا واعبدوا مولاكم وتودعوا من شهركم رمضانا
ثم الصلاة على النبي وآله المصطفى طه ولد عدنانا
بعد أبو مسعود استلم الوظيفة المرحوم أبو يوسف الخطيب ، والذي كان مؤذن المسجد ، وله صوت عذب جميل في الآذان ، يتحسر الناس لأنهم لم يسجلوا له الآذان ، وبقي الخطيب يسحر الناس سنوات طويلة ، واستلم الوظيفة بعده الشيخ عبد الجليل أبو قرطوم ، وكان آخر مسحر معروف في القرية ، واستمر حتى بداية الثمانييات ، وبعد ذلك ومع التقدم وتركيب سماعات للمسجد ، والآذان الأول والثاني بدأت أهمية المسحر تقل ، وانتهت نهائيا مع بداية الانتفاضة الأولى .
كان الأهالي يكرمون المسحر بأن يخصصوا له فطرة الصيام في نهاية شهر رمضان ، ومن الظواهر التي كانت معروفة في سالف الأيام انضمام بعض الأولاد للمسحر في العشر الأواخر من شهر رمضان ، وقيامهم بوظيف التوحيش ، أي توديع رمضان ، ويغنون : ما أوحش الله منك يا رمضان .. ما أوحش الله منك يا شهر الصيام .
في عام 2009 حاول بعض الشبان إعادة ظاهرة المسحراتي ، واستخدموا طبول فرقة الكشافة ، وصاروا يطوفون البلد ، ويقرعون الطبول لإيقاظ الناس ، استمرت هذه الظاهرة لمدة سنتين ثم اختفت .
السؤال الآن ، لماذا اختفت مهنة المسحّر ؟
هل لأن الناس صاروا لا يحتاجون لمن يوقظهم ، فهم يسهرون طوال الليل وينامون في النهار في رمضان ؟
أم لأن الناس صارت توزع الفطرة كل على أقاربه ، وتوقفوا عن دفعها للمسحر ؟
أم عندكم تفسير آخر ..
وكل عام وأهل الخير بألف خير ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق