الاثنين، 25 فبراير 2013

المقرور أو المكرز ..


كتبهافرج عبدالحسيب ، في 17 شباط 2012 الساعة: 13:16 م

يستخدم أهالي كفرمالك مصطلح ( مكرِّز ) ويلفظون الكاف (  (ch،وتعني في اللغة العربية الفصحى المقرور أي المصاب بالبرد الشديد، وقد تدخل عجوز في أيام الشتاء وتقول للجالسين بجوار الصوبة  : الدنيا برة كريزة ، يا قشيل اللي مش عند أهله " . ولا تنسوا أن برد الغربة أشد من برد الشتاء . 
وكريزة كفرمالك وأهل الضفة غير كريزة مدمني المخدرات ، وهي بالتأكيد غير حلوى الكريزة الأردنية ، التي أسمع عنها ولم أذقها .
ويبدو ـ والله أعلم ـ أن أصل الكريزة الضفاوية مأخوذة من اللغة العربية الفصيحة ، ففي المعجم :  كز الرجل ، اذا اصابه الكُزاز، وهو تشنج يصيب الانسان من البرد الشديد وربما قتل ، ولأن من الصعب لفظ صوت الكاف والزين حدثت عملية تأثير لغوي فأبدلت الزين الأولى راء . 
 " كرّز فلان ومات "  من العبارات التي لم نعد نسمعها الآن ، لأن حالة الموت من شدة البرد في البراري اختفت مع الإنحباس الحراري في السماء، وسهولة المواصلات على الأرض ، وانتشار المعاطف الواقية من المطر بين الناس ، وترك العمل في أرض البرية ..  
ولكن في أيام زمان مات عدد من أهالي كفرماك مكرزين ، فقد كان يسقط المطر على الراعي أو الحراث أو الباحث عن نعجة أو شاة ضائعة ولا يهتم ، فيواصل السير والعمل قاصدا مبتغاه ، ونتيجة لنشاط الجسم الماشي لا يشعر بالبرد ، فالحركة بركة ، والاحتكاك يولد الحرارة ، ولكن إذا طال المشوار ، وزاد هطول الأمطار ، ووصل البلل للجسد ، وطيرت ملابسه وصارت توخزه مثل الإبر، هنا يجب أن لا يقف ولا يجلس إلا في بيته بجوار كانون نار شعلته طول الرجل ومد ذراعه ، ولكن إذا أنهكه التعب ، وثقلت عليه ملابسه ، وقرر  أن يضع عن ظهره أوزاره ، وجلس ليستريح بجوار صخرة أو جذع شجرة ، كان بذك حتفه ( مكرزا ) . وهذا أيضا ينطبق على الثورات التي تتعب قبل أن تصل لأهدافها .
هنا يجتمع عليه البرد من الداخل والخارج ، من الخارج برد الطقس ، ومن الداخل البرد الناتج عن تبخر الماء من ملابسه فيفقد الوعي، ويدخل في حالة الكريزة ، التي تبدأ باصطكاك الأسنان وارتجاف السيقان ، وتنهي بفقدان الوعي،  ثم الموت مجمدا مثل الدجاج في الفريزر ،  والساتر رب العالمين .
روى لي أنه مرت على البلاد أيام محل  ، سنتان حرث أهالي كفرمالك وزرعوا ولم يحصدوا ، فضاقت الحال ، وأصيب قليلو الذمة والدين بالقنوط من رحمة الله ، وفي السنة الثالثة بدأ موسم الأمطار مبكرا، وكان ( فلان بن علان ) في سامية يسوق حماره صاعدا باتجاه البلد ، وفي الطريق سقطت بعض قطرات المطر، وبدل أن يستبشر برحمة الله ونعمته ، كشف عن صلعته وقال بسخرية : خايف هالمطر ما يبل قرعتي !!  وواصل سيره باتجاه القرية ، ولكن السماء صبت ماءها مدرارا، فأبتلت قرعة الرجل ولحيته ووصل البلل لثيابه وطيّر ، ولما وصل مشارف البلد عند راس المطل ، سقط من شدة التعب والبرد ، باختصار كرّز ، وسقط على الأرض يلفظ أنفاسه ، ولكن حماره الذي لا يعف السخرية برب العالمين وأقداره ، واصل سيره باتجاه مذوده ، رأى الناس الحمار بدون صاحبه ، وعلى رأي القائل : طلت الأصيلة والسبع ما طل " فذهب الناس يبحثون عن الرجل وقد قدروا أنه كرّز ووقع ، وفعلا وجدوه ، وعادوا به إلى بيته يابس الساقين واليدين والنظرات ، والأهم من كل ذلك يابس اللسان الذي تجرأ على رب العالمين ، والجزاء من جنس العمل ….
وهناك قصص كثيرة تروى عن تحدي بعض السفهاء أو استهزائهم بالله تعالى سبحانه ، وقصص تروى عن خاتمة السوء كثير منهم ،  وما أكثر العبر وما أقل المعتبر .. 
بعد ذهاب هذا المنخفض الذي يكرز الرجلين بردا ، نواصل الحديث للموعظة والعبرة .. وأذكركم بحديث المصطفى في هذا الشأن ..   
" وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله – تعالى – ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة " ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق