حَـــــــبُّ الحَــــمَـقْـــــمَــــق ….!!
روت لي الحاجة أم معدي ، التي تقف اليوم على مشارف التسعين ، أمدّ الله في عمرها وأحسن ختامها و خيركم من طال عمره وحسن عمله ، أنه في أيامها كانت البنت تصير أمَّا في كفرمالك وهي ابنة خمس عشرة وست عشرة سنة ، أي ما يوازي اليوم طالبة في الصف التاسع أو العاشر من اللواتي يبكين بحر الدمع لأن أباها اشترى لها ” بمبا بفستق “ وهي تحب البمبا بجبنة ، وكما يقال لكل زمان دولة ورجال ، أيضا لكل زمان بمبا ونسوان .
المهم تصير المرأة أمَّا ذات مسؤوليات جسام في تلك السن الصغيرة، وعليها أن ترضع طفلها في أيام لا بديل لحليب الأم إلا الموت من البكاء جوعا ..
وكانت الأمهات الصغيرات يعشن حياة مليئة بالخوف من كل شيء، الخوف من الزوج وأهل الزوج ، ومن الحماة وبنات الحماة ، ومن الإنجليز وجواسيس الإنجليز ، ومن كلام الناس ، ومن الموت الذي يخطف الصغار ، وللعلم.. قد لا تجد بيتا في كفرمالك قبل السبعينات إلا وفيه طفل مات صغيرا ، وللداعي بالخير أخت ماتت من الجوع لأن فمها كان صغيرا ..
شو بدنا بطول السالفة .. كانت الأم الصغيرة المرضعة محرم عليها الخوف ، لأنها إذا ارتعبت من هول أمر ، أو خافت من بشاعة منظر ، على صغيرها أن ينام على لحم بطنه ، ولو ظل يجعر طوال الليل ، فلا رضاعة قبل أن ينصرف الخوف عن الأم ، لأن حليب الأم الخائفة ـ كما تقول الحاجة ـ ينْفُط على جلد الولد الغض على شكل حَب أحمر كثيف يسميه أهل كفرمالك .. حبَّ الحمقمق ..
هل عرفتم الآن يا أصحاب المفهومية ، لماذا تمسح الحلابة بيدها بحنان على ظهر الشاة ، وعلى ضرعها قبل أن تبدأ بعملية الحليب ؟ تماما لنفس السبب الذي يجعل الدنمركيين يحلبون البقر على أنغام الموسيقى الهادئة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق