الثلاثاء، 28 مايو 2013

الشيخ سليم التركي .. رب أشعث أغبر !!


الجامع القديم وتظهر تحته الغرفة التي سكنها الشيخ سليم التركي
خلال حقبتي الخمسينيات والستينيات  كانت كفرمالك كغيرها من قرى فلسطين يعشعش فيها  المحل والجهل وقلة الدين ،  ومن مظاهر هذا البؤس أن شيخ الجامع كان يدور في الحارة لكي يجمع عدد كاف لصلاة الجمعة ، حيث ساد اعتقاد بأن صلاة الجمعة لا تجوز بأقل من أربعين مصل ، وكان المصلون من العجائز مثار سخرية للجالسين على المقاهي ، حيث انتشر لعب القمار ، ومن مظاهر قلة الدين في ذلك الوقت انتشار السرقات ، حتى أن شيخ الجامع مصطفى المهاجر كان يقول : " أهل كفرمالك ما عندهم محرم غير نجوم السما لأنهم لا يطولونها " . وكان يظهر الاستياء من قلة دين الناس ويردد بيتين من الشعر :
بليت بقوم كالصخور عقولهم        أرذال قومٍ في ثياب التكبرِ
لو شاء ربي لخصكم بثلاثةٍ          أذانٌ وقرون وشقُّ حوافرِ
ومن مظاهر قلة الدين عندهم طريقة تعاملهم مع رجل دين عالم اسمه الشيخ سليم التركي ..
الشيخ سليم التركي ، كان من مشايخ مدينة أنقرة التركية ، ولما قامت الثورة العلمانية بقيادة أتاتورك ، وألغى المدارس الدينية ، ومنع الآذان ، واضطهد  علماء الدين ، وطارد من رفض سياسته المعادية للدين ، وكان من ضحايا  هذا النظام الشيخ سليم الذي هرب من تركيا إلى بلاد الشام ، ثم إلى فلسطين  ، صادفه الشيخ عبد الرحمن المالكي في بيت لحم ، فأحضره معه إلى القرية ، وسكن في الغرفة تحت الجامع القديم التي كانت واحدة منها بريد والثانية  كانت مخزن للمسجد وكان آخر من شغلها أبو منذر صالون حلاقة  ، وكان الشيخ سليم رجل عالم تقي يصوم الدهر ، وعند الإفطار يجود عليه الأهالي بوجبة لا يغيرونها : إبريق شاي ، ورغيف وصحن زيت .  وحدث ذات مرة أن جاءه أحد وجوه البلد  الحاج مصطفى بطعام الإفطار ، وتصادف أن أقام الحاج مصطفى في ذلك اليوم . لأحد أصحابه من قرية المغير ، فأحضر طعام الفطور كالعادة إبريق شاي وخبز ، فقال له الشيخ سليم :
ـ النعسان بيوكل خروف يا حج موسطفا ، أما الشيخ سليم فيوكل زيت حاف .
فقال الرجل : يا شيخ سليم ، الرسول عليه السلام بيقول : كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة  . فما كان من الشيخ سليم إلا أن صب صحن الزيت على رأس الرجل ، وقال له : تبارك يا حج بالزيت .. تبارك .
وغادر الشيخ قرية كفرمالك وفي قلبه غصة على ما جار عليه الزمان من الجوع والفقر والحاجة ، وقال الشيخ أبو رياض ـ رحمه الله ـ  أنه في عام 1978 كان يصلي في مسجد الحسين في عمان ، وبعد صلاة العصر فوجئ  بشيخ سليم التركي يقف بعد صلاة العصر ليلقي درسا ، فقال كلاما ضد الحكومة ، ومما قال : أنا الشيخ سليم بنام مع الواويات وسميرة توفيق تنام في أغلى فنادق عمان ، فقال له أحد الجالسين : يا شيخ بحطوك بالسجن . فأجابه الشيخ سليم : على شو بدي أخاف ، أنا بنام في مغارة مع الواويات في سقف السيل ، وإذا سجنوني ألقى دار أنام فيها .
ومات الشيخ سليم التركي الرجل العالم التقي الذي لا يخشى في الله لومة لائم فقيرا غريبا ، فطوبى للغرباء ، وغفر الله لأجدادنا وآبائنا الذين لم ينصروا هذا الرجل الصالح ..  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق