الأربعاء، 6 فبراير 2013

الشجرة والشجارات البريئة

احترقت الشجرة فاشتعلت ذكريات الطفولة النضرة

في أيامنا أي قبل ما يزيد على ثلاثة عقود ونيف كانت مدرسة البنات الحالية هي مدرسة الأولاد الإعدادية ، وكانت هناك عبارات معهودة يرددها الأولاد في كل يوم تقريبا وبصيغ مختلفة :
لاقيني تحت الشجرة .. بوريك تحت الشجرة .. اليوم سأستناك تحت الشجرة وهكذا .. 
الشجرة هنا تعني شجرة القريش العملاقة ـ كما كنا نراها ـ الواقفة بهيبة وجلال أمام بيت دار عمرة المجاور لمعصرة الزيت ، كانت الشجرة الكبيرة مَعلم من معالم طلاب مدرسة كفرمالك الإعدادية للبنين ، تحت هذه الشجرة كان الطلاب ينتظرون بعضهم في الغدو والرواح  ، فهي محطة انتظار ، تحمي من أشعة الشمس صيفا ، ومن زخ المطر شتاء، فصارت مكان تجمع للأولاد .
من طرائف قصص الطفولة أن معلما كان يفتش على المنديل والشعر والأظافر، فوجد الطالب جلال قد طالت أظافر يديه، فقرر ببساطة إرساله للبيت لكي يقص أظافره ، ذهب الطالب وخاف من العودة للبيت صباحا، فجلس تحت الشجرة المشهورة، وكأن الشجرة هي البيت أو الملجأ من قسوة الأهل والمعلمين ، عاد الطالب جلال قبيل الفرصة ، استقبله مربي الصف وقال له : لماذا لم تقص أظافرك ؟ فأجاب الطالب ببراءة الأطفال : لقد قصصتها ، ولكنها كبرت على الطريق . ضحك المعلم وعفا عن جلال .
أولاد المدرسة مثلهم مثل معظم أهالي كفر مالك يحبون الطوشة في مكان عام ، تحت الشجرة  .. في الحارة .. في المعصرة أيام الزيت .. في الطريق والأولاد منصرفين من مدارسهم، غالبا لا أحد عندنا يحب الطوشة بعيدا عن التجمعات، وذلك حسب اعتقادي لأسباب منها أن أطراف الطوشة لا يريدون صراعا داميا يكون فيه طرف غالب وطرف مغلوب ، فالناس غالبا يتدخلون ويكفون الشر ، ومنها أن الهدف من الطوشة هو إعلامي أكثر منه انتقامي أو تأديبي ، والأهم من كل ذلك أن أهل الطوش غالبا ليس لديهم ما يثبتون به وجودهم ماديا أو معنويا فيعوضون عن نقصهم بأن يصيروا حديث الناس ، وكل يروي القصة لأهله كما يحب ويشتهي لا كما رأى بأم عينه .
المهم ، بعيدا عن الخوض في تحليل النفوس وتفسير السلوكيات في الصيف الماضي احترقت شجرة دار أبو عمرة ، وماتت من جراء حريق غير متعمد قامت به الحاجة أم مصلح ، وكان ىمن آثاره أن أحدا لم يطلب دية للشجرة التاريخية ، وكانت الخسائر أن دفع ابن الحاجة ديّة سيارة لرجل من أبو فلاح احترقت تحت الشجرة . 
العجيب أن الشجرة عندما احترقت سمع صوت فحيح نارها في معظم أنحاء البلدة ، ولم أكن أعرف أن للنار صوتا قويا لهذه الدرجة ، فأدركت حينها معنى أن يسمع الناس صوت زفير جهنم من بعيد يوم القيامة ، أعاذنا الله وإياكم منها ، وأعاذنا الله من جهد البلاء ، ومن الذلة أمام الأعداء
وفي الختام أنقل لكم هذه الأبيات عن المراجل الفارغة من الشعر الشعبي كما نقلها لي السيد أبو بدر عن مجهول
لا توكل من نخل الناس وكل من نخلك
ولا تركب على الأسد ولو الأسد نخ لك
وأعوذ بالله من المراجل إللي بعدها قول دخللك
ودمتم بسلامة ، أبوغيث ، في 27/ شباط / 2011 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق