ميتة تعود لتُعيد الأمانة ..
في الانتفاضة الأولى كانت كفرمالك من أنشط القرى وأكثرها تعرضا للحصار والاقتحامات ، وفي يوم الاستقلال حيث تفرض قوات الاحتلال الإغلاق على القرى والبلاد، كانت كفرمالك معزولة عن رام الله والقرى الشرقية بحاجز دائم عند تل العاصور ، في ذلك اليوم انتقلت الحاجة خضرة أم عبد المجيد المشني إلى رحمة الله تعالى، وبسبب الإغلاق ومنع الحركة لم يجد أهلها كفنا يلفونها به في رحلتها الأخيرة إلى ربها جل علاه، فما كان من أهل المرحومة إلا استعارة كفن لابنة خالة المرحومة الحاجة خضرة العيد أم أبو وائل ، وفعلا أحضروا الكفن على أمل أن يعيدوه عندما تفتح الطريق، وقامت النساء القريبات والجارات بغسل المرحومة ، وتكفينها، ودفنها الرجال في المقبرة كم العادة .
بعد عشرين يوما أحضر أهل المرحومة كفنا بديلا، وأرسلوا الكفن لصاحبته، وكان عندها بنتان من قريباتها قالت لهن : ضعن الكفن عند الصرة التي بها وصيتي في الخزانة .
بحثت البنتان عن الصرة التي بها الوصية فلم يجدنها، وقلن لها لا يوجد هنا صرة ، ثارت الحاجة خضرة العيد، فقد وضعت وصيتها البالغة ثلاثمئة دينار وخمسمئة دولار في صرة مع الكفن القديم بيدها، فأين ذهبت ؟
ثارت الشكوك بالبنتين قريبات الحاجة وأهل بيتها، فلا يمكن أن تضيع الصرة ، ولا بدَّ أنها سرقت ، وعاش أهل البيت في حيرة من أمرهم يتبادلون الشكوك ، ويظنون ببعضهم الظنون ، والحاجة لا تنفك تسأل عن صرتها التي أودعت فيها شقاء عمرها وجعلته وصية لها .
ما حدث بعد ذلك يعد من عجائب الزمان ؟
فحدثت ابنة المرحومة أن نفس أمها جاءتها وهي صاحية، وفي كامل وعيها، وسمعتها تقول لها :
ـ أمانة الحاجة خضرة العيد عندنا في البيت فوق الخوابي ، قومي وردي الأمانة لأهلها .
لم تصدق البنت ما تسمع ، وظنت أنها تتخيل الأمر ، ولكن المرحومة عادت وقالت لبنتها ذات القول ، مرة ثانية وثالثة ، ذهبت بنت المرحومة إلى بيت أهلها الذي هجر بعد وفاة أمها ، وصعدت تبحث بين أكوام أكياس الصوف المركومة فوق الخوابي، وهناك وجدت فعلا الصرة ووجدت فيها المبلغ كاملا ، وردت الأمانة إلى أهلها .
فيما بعد تبيّن أن إحدى الجارات وجدت الصرّة ، ولم تعرف ما بها، وظنتها قطعة زائدة من الكفن، فأرادت ابعادها عن البلل في زحمة غسل المرحومة فرفعتها فوق الخوابي ..
إنها الأمانة التي اعتذرت السموات والأرض والجبال عن حملها ، وحملها الإنسان جهلا بقيمتها ..
صورة البيت الذي حدثت فيه القصة
أضف الى مفضلتك
كتبهافرج عبدالحسيب ، في 5 آذار 2011 الساعة: 20:06 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق